من الجوع إلى التقزم..  سوء التغذية يسرق نمو أطفال غزة

من الجوع إلى التقزم..  سوء التغذية يسرق نمو أطفال غزة
تقارير وحوارات

غزة/ آية عبد العال:

تجد عائلات في قطاع غزة نفسها عاجزة عن توفير الغذاء الذي يحتاجه أطفالها للنمو، في ظل النزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث تضطر أسر تعيش في خيام ومراكز إيواء إلى تدبير احتياجاتها بما يتوفر لديها، دون القدرة على تأمين وجبات متوازنة أو أغذية خاصة للأطفال الذين يعانون سوء التغذية، بعد ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ولا تقف معاناة هؤلاء الأطفال عند الجوع ونقصان الوزن، بل تمتد إلى مخاوف من تأثر نموهم الجسدي نتيجة استمرار الحرمان الغذائي وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، في وقت أظهرت فيه بيانات أممية تسجيل حالات تقزم بين أطفال القطاع.

وتشير بيانات مسح أجرته اليونيسف وشركاؤها في المناطق التي أمكن الوصول إليها بقطاع غزة، بين 31 مايو/أيار و15 يونيو/حزيران 2026، إلى أن 12.2% من الأطفال دون الخامسة يعانون التقزم، فيما لم يحصل سوى 22.4% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و23 شهراً على الحد الأدنى المقبول من الغذاء. وأظهرت البيانات أيضاً أن 73% من الأطفال ضمن الفئة العمرية الأخيرة تناولوا أغذية غير صحية في اليوم السابق للمسح، بما يعكس صعوبة حصولهم على غذاء متنوع يلبي احتياجاتهم.

أوزان أقل من المعدلات الطبيعية

تقول روان الهسي، والدة طفل تجاوز ثمانية أشهر، إن وزن ابنها بلغ خمسة كيلوغرامات فقط، في وقت كان يفترض أن يكتسب فيه وزناً مع تقدمه في العمر، موضحة أن معاناتها مع نقص الغذاء بدأت خلال الحمل، حين لم تتمكن من توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية في ظل الظروف المعيشية الصعبة.

 

وتوضح الهسي لـ" الاستقلال" أن عدم توافر الغذاء بالكميات الكافية جعلها عاجزة عن الحصول بانتظام على اللحوم والخضراوات والفواكه والبقوليات، وهي أصناف تحتاجها الأم خلال الحمل، كما يحتاجها الطفل ضمن نظام غذائي متنوع بعد الولادة. ومع استمرار الظروف الصعبة، ازداد قلقها على صحة ابنها ونموه، خصوصاً مع انخفاض وزنه إلى المستوى الذي ذكرته.

وتجد الهسي نفسها أمام مخاوف لا تتعلق بوزن طفلها الحالي فحسب، بل بما قد يتركه نقص الغذاء من آثار على نموه في الأشهر الأولى من حياته، وهي مرحلة يحتاج فيها الطفل إلى تغذية مناسبة ومتابعة صحية. وفي ظل محدودية الإمكانات، تبقى قدرة الأسرة على توفير احتياجاته الغذائية عاملاً أساسياً في التعامل مع هذه المخاوف.

 

وفي حالة أخرى، تتابع أم محمد علاج طفلتها نور، البالغة تسع سنوات، والتي تعاني سوء تغذية حاداً وحساسية القمح، ما يفرض عليها نظاماً غذائياً خاصاً يزيد من صعوبة تأمين وجباتها اليومية في ظل محدودية الإمكانات.

وتقول الأم "إن وزن طفلتها يبلغ 19 كيلوغراماً، وإن الأطباء أخبروها بأن استمرار نقص الغذاء الضروري قد يؤدي إلى مزيد من تراجع وزنها.

ويضاعف احتياج نور إلى أغذية تتناسب مع حالتها الصحية العبء على الأسرة، إذ لا تستطيع الأم الاكتفاء بما يتوافر من طعام، بل تحتاج إلى تأمين بدائل ملائمة لحساسية طفلتها، بالتوازي مع التعامل مع مشكلة سوء التغذية.

وتضيف أن الأسرة تواجه صعوبة في توفير هذه البدائل بصورة منتظمة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الإمكانات، ما يجعل تلبية احتياجات نور الغذائية تحدياً يومياً يتجاوز توفير الطعام لسد الجوع.

وبين متطلبات حالتها الصحية وما تستطيع الأسرة تأمينه، تبقى الأم قلقة من أن يؤدي استمرار نقص الغذاء المناسب إلى تراجع وزن طفلتها وتفاقم وضعها الصحي.

 

التقزم.. تداعيات تتجاوز نقص الوزن

ويقول اختصاصي التغذية العلاجية محمد المدهون إن سوء التغذية لدى الأطفال يتخذ أشكالاً مختلفة، أبرزها سوء التغذية الحاد والشديد، مشيراً إلى أن الحالات الحادة تحتاج إلى تدخل غذائي ومتابعة صحية، فيما تستدعي الحالات الشديدة تقييماً طبياً عاجلاً، وقد تتطلب إدخال الأطفال إلى المستشفى لتلقي الرعاية اللازمة، خصوصاً عند ظهور أعراض مثل القيء والإسهال.

ويضيف المدهون لـ" الاستقلال" أن الوزن من المؤشرات التي تتأثر بسوء التغذية؛ فالطفل الذي يبلغ عاماً واحداً يُتوقع أن يصل وزنه إلى نحو عشرة كيلوغرامات وطوله إلى 75 سنتيمتراً، لكن بعض الأطفال الذين يعانون سوء تغذية شديداً قد تنخفض أوزانهم إلى نحو ستة كيلوغرامات، ما يرفع مخاطر تدهور حالتهم الصحية وضعف مناعتهم.

ويشير المدهون إلى أن القلق لا يقتصر على انخفاض الوزن، بل يمتد إلى حالات التقزم التي قد تنتج عن الحرمان الغذائي المزمن ونقص البروتينات والفيتامينات والمعادن الضرورية للنمو، إذ يرتبط هذا التأخر بتراكم آثار نقص التغذية والمشكلات الصحية على مدى فترة طويلة، وليس بمجرد انخفاض الوزن لفترة قصيرة.

ويوضح أن نقص العناصر الغذائية الأساسية، ومنها الزنك الموجود في اللحوم، قد يؤثر في النمو الطبيعي للأطفال، خصوصاً عندما يستمر الحرمان الغذائي لفترات طويلة، ما يجعل توفير الغذاء المتوازن ضرورياً لدعم النمو الجسدي والحد من المضاعفات الصحية.

احتياجات علاجية تفوق قدرة الأسر

ويضيف المدهون أن التعامل مع سوء التغذية يتطلب تحديد درجة الحالة، ومتابعة وزن الطفل ونموه، وتوفير الأغذية المناسبة لوضعه الصحي، إلى جانب التدخل العلاجي عند الحاجة، وتزداد صعوبة ذلك لدى الأطفال الذين يعانون مشكلات صحية مصاحبة، مثل حساسية القمح، إذ يحتاجون إلى بدائل غذائية ملائمة لا تستطيع أسرهم النازحة توفيرها بانتظام بسبب محدودية الإمكانات وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

ويحذر من أن استمرار نقص الغذاء المناسب، إلى جانب الإصابة بأمراض مثل الإسهال، قد يؤدي إلى تدهور الحالة التغذوية ويزيد صعوبة التعافي، ما يجعل توفير الغذاء الملائم والرعاية الصحية المستمرة ضروريين، خصوصاً للأطفال الذين يعانون سوء تغذية شديداً.

تحسن المؤشرات لا ينهي المعاناة

وبحسب بيانات اليونيسف، بلغت حالات دخول الأطفال لتلقي علاج سوء التغذية الحاد ذروتها عند نحو 17 ألف حالة في أغسطس/آب 2025، قبل أن تنخفض إلى أقل من ثلاثة آلاف حالة في مارس/آذار 2026، عقب استئناف دخول المساعدات والإمدادات التجارية بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

لكن تراجع حالات الدخول للعلاج لا يعني انتهاء الأزمة الغذائية، إذ لا تزال أسر تواجه صعوبة في توفير الغذاء المتنوع والمناسب لأطفالها، فيما تحتاج الحالات التي تعاني سوء تغذية شديداً أو تأخراً في النمو إلى متابعة تتجاوز علاج الحالة الآنية. كما أن نتائج المسح لا تشمل جميع سكان القطاع، إذ استُبعد نحو 17% من السكان من نطاقه بسبب قيود الوصول والأمن

التعليقات : 0

إضافة تعليق